محمد بن يزيد المبرد

508

المقتضب

هذا باب ما يلزمه التغيير في النداء وهو في الكلام على غير ذلك فمن ذلك قولهم : « يا أبت لا تفعل » ، و « يا أمّت لا تفعلي » . فهذه « الهاء » إنّما دخلت بدلا من « ياء الإضافة » ، والدليل على ذلك أنّك إن جئت بالياء ، حذفتها ، فقلت : « يا أبي لا تفعل » ، و « يا أمّي لا تفعلي » . فأمّا الكسرة التي فيها ، فدلالة على الإضافة . وكانت الهاء داخلة على « الأمّ » ؛ لأنّها مؤنّثة ، وعلى « الأب » ؛ كما دخلت في « راوية » و « علّامة » للمبالغة ، ولأنّ الشيئين إذا جريا مجرى واحدا ، سوّي بين لفظهما . ألا ترى أنّك تقول : « فعل أبواي » ، و « هذان أبواك » . تعني « الأب » و « الأمّ » ، وإنّما أخرجته مخرج قولك : « أب » و « أبة » ؛ كما تقول : « صاحب » و « صاحبة » ، لأنّ كلّ جار على الفعل من الأسماء فتأنيثه جار على تذكيره . وما كان من غير فعل ، أو كان على غير بناء الفعل نحو : « أحمر » ، و « عطشان » ، وما أشبه ذلك ، اختلف تأنيثه وتذكيره ؛ لأن الفعل تلحقه الزيادة للتأنيث ، فيكون الاسم عليه كذلك . تقول : « ضرب » ، فإن عنيت المؤنّث ، قلت : « ضربت » . فعلى هذا تقول : « ضارب » و « ضاربة » . وما كان من قولك : « أحمر » ، فالاسم منه « محمّر » . فأمّا قولك : « أحمر » ، فمشتقّ ، وليس بجار على الفعل . فهذا الذي وصفت لك . وتقول : « يا أمّ لا تفعلي » ، و « يا أب لا تفعل » ، إذا لم ترد قول من يثبت الياء ، أو يعوّض منها الهاء التي هي تاء في الوصل ، فإن جئت بالتاء ، ووقفت عليها ، كانت بمنزلة قولك : « يا عمّة » ، و « يا خالة » ، ويجوز الترخيم فيها ؛ كما جاز في « حمدة » ونحوها ؛ لأنّها ، وإن كانت بدلا ، فإنّما هي تأنيث في وصلها ووقفها سواء . وقد قرئ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ « 1 » . فتقول - إذا رخّمت - : « يا أمّ لا تفعلي » ، فيمن

--> ( 1 ) الأنبياء : 112 .